د . محمّد المصطفى عزّام : شهادة في حقّ الشيخ سيدي منيرالقادري بودشيش
الأنوال نيوز
شهادة في حقّ الشيخ سيدي منيرالقادري بودشيش
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على أشرف المخلوقين وعلى آله الطيّبين وصحبه الأكرمين
إنّه ليُشرّفني أن أتقدّم بشهادة في حقّ الشريف النسيب الحسيب مولاي منير القادري، شهادة تستند إلى مرجعين: الشرعيّة، والأهليّة.
1. الشرعية
يُشترط في صحبة شيخ التربيّة - في طريق التصوّف - أن يكون للشيخ إذنٌ صريح من شيخه في التسليك والدلالة على الله سبحانه بالحال والمقال، وإلاّ كان المتصدّر للمشيخة من غير إذن مُدّعيّاً "لقيطا" باصطلاح القوم، كما سمعنا ذلك من شيخنا. قدّس الله سرّه؛ وهذا الإذنَ الربّانيّ النبويّ مستمرّ منذ توريث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العِلمَ - دون غيره - لأصحابه، ثمّ توريثهم إياه لتابعيهم، وهؤلاء لتابعيهم، في سلسلةٌ نورانيّة يستمدّ فيها عالِمٌ بالله من عالمٍ به تعالى، قائمٍ بحُجّته سبحانه على عباده، مصداقاً لقوله عليه الصلاة والسلام: "العلماء ورثة الأنبياء"، وهذا العلم المتوارَث هو علم تزكية النفوس وتطهير القلوب وتأهيل الأرواح لمعرفة الله جلّ وعلا.
لقد مَنّ الله سبحانه عليّ – كما منّ على كثير من مريدي الطريقة القادريّة البودشيشيّة – بالتلمذة لسيدي حمزة قدّس الله سرّه، منذ أوائل سبعينيّات القرن العشرين، مَنّ علينا تعالى بالهداية، وأنقذنا على يد ذلك الشيخ الجليل من الضلال والغواية التي عشنا فيها سنين. ومن الأفضال التي تنعّمتُ بها أنّي كنت أقضي كلّ العُطل التعليميّة مع شيخي، حتّى تشرّبَت روحي محبّته وتشبّعت مداركي بنورانيّة أوصافه وربّانيّة أخلاقه، إذ كان رضي الله عنه رحمةً محمّديّةً تشعّ على كلّ ما حولها، بل حتى على الأبعدين، ممّن قُدّر لهم من هذه الرحمة نصيب؛ ولقد حباني الله كذلك بأن أكون ضمن مجموعة العلماء والأساتذة الذين شرّفهم الشيخ الكريم بالتوقيع على وصيّته المُدوَّنةً والمُوثّقّة رسميّاً، وفيها استخلافه لابنه الأبرّ مولاي جمال الدين على مشيخة الطريق، ومن بعده ابنه الأغرّ مولاي منير. وقد كانت هذه الوصيّة تأكيداً حرفيّاً لما كان قد بشّر به الشيخُ سيدي العباس والد سيدي حمزة، وتحقيقا لما كان يدعو به شيخُهما سيدي أبو مدين، قدّس الله أسرارهم جميعاً. وما أسرع ما مرّت أعوام قليلة عشناها في عهد شيخنا الحبيب مولاي جمال الدين، مرّت وكأنها سُوّيعات خاطفة، كانت كلّها جَمالاً وأنواراً غامرةً للأرواح، ساقيةً للقلوب شرابَ المحبّة من يد شيخٍ كان كلّه بهاءَ مسكنةٍ وصفاءَ ودٍّ ومَرحمة. وقد عرفَت الطريق مزيد اتّساع وإشعاع زمنَ مولانا جمال الدين قدّس الله روحه، وتضاعف عدد المقبلين على الطريق، سواء من المغاربة، أو من غيرهم الذين جذبت أرواحَهم المحبّةُ في الله للشيخ المربيّ، كما جذبت قلوبَهم إلى حبّ المغرب ومَلِكه الهمام؛ هذا الملك العظيم الذي بفضله العميم ينعم العباد بالسلم والأمان، وبنظره الحكيم ترتقي البلاد في مسار النماء والازدهار، وبعطفه الكريم على رعيّته، وخاصّةً منهم الصالحين، تطمئنّ النفوس وتجتمع القلوب على الولاء له ولثوابت المغرب، العقديّة والشرعيّة والسلوكية. ولقد كان من تجلّيات هذا العطف المولويّ ما أولاه جلالته من بالغ عنايته الكريمة بشيخنا مولاي جمال، إلى أن وافاه الأجل وهو في كنف هذه العناية، مثلما شملت قَبله والدَه سيدي حمزة، قدس الله سرّيهما.
ولئن عمّ مريدي الطريق، في جميع أنحاء العالم، بل حتّى غيرهم، حزنٌ شديد لفقدان شيخنا مولاي جمال الدين، فإنّ لنا العزاءَ الجميل في خليفته ووارث سرّه العارف بالله مولاي منير، الذي خصّه والدُه رحمه الله بوصيّة موثَّقة كتابةً، ومسجّلة صوتاً، ومختومة بإشهاد الله وملائكته وأنبيائه وأوليائه على هذه الوصيّة، وممهورة بعبارة مأثورة، وهي قوله: " اللّي عندي عند ولدي منير"، تماماً كما كان قد قال له والده سيدي حمزة: "اللّي عندي عندك"؛ وهذا المُشار إليه هو سرّ التزكيّة النبويّة الذي يتوارثه العلماء العارفون بالله عن سيدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
2. الأهليّة
أَعلمُ يقيناً أنّني لست – ولا أمثالي – مؤهَّلين للحكم على أهليّة العالِم الربّانيّ مولاي منير لهذا الأمر الخطير؛ ومع ذلك نحاول مقاربة ما ليس في حاجة إلى دليل، من خصائص شيخنا الجليل، استئناساً فقط؛ وإلاّ فإنّ مجرّد وصيّة شيخينا السابقَين له كافية للامتثال والتسليم ممّن كان له قصد سليم؛ بل إن من المتعارف عليه عند القوم، أنّ العارفين بالله، الذين هم على قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلم في تربية الأرواح، يترقّون على الدوام بترقّيه اللانهائيّ في معرفة ربّه، مصداقاً لقوله تعالى السرمديّ: ﴿فاعلم أنه لا إله إلاّ الله﴾، ولقوله: ﴿وقل ربّ زدني علماً﴾؛ وبهذا الاعتبار، فإنّ الخَلَف من العارفين يزدادون علماً بربّهم زائداً على سلفهم؛ ولطالما كان شيخنا السابق رضي الله عنه يقول مشيراً إلى هذا المعنى بالعامّيّة المغربيّة: "الحنَش ما يُولد غير ما اطْوَل مَـنُّو". ثمّ إنّ الموصِي، وهو العارف بالله، وما أدراك؟، لا يُمكن أن يكون إلاّ الأعرفَ من غيره بخصائص مَن يوصي له، لما وهبَه الله من نور الاستبصار، مصداقاً لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله».
وفيما يتعلّق بالخصائص الاستئناسيّة، فهي لا تخضع للحصر، لا كمّاً ولا نوعاً، ولكنّنا نحاول الإشارة إلى بعضها، مصنّفينها إلى خاصّيّـتين: خاصّيّة علميّة، وخاصّيّة خُلقيّة.
أمّا الخاصّيّة العلميّة، وهي وإن لم تكن شرط صحّة في المشيخة، إلاّ أنها شرط كمال، خصوصاً في زمننا الحاليّ، وربّما أمست - بفعل التطوّر العالمي الشامل – ضرورةً بحسب معنى من معاني مقولة القوم: "الصوفيّ ابن وقته". وقد لا نكون في حاجة إلى إبراز التكوين العلميّ الواسع والمتنوّع للدكتور مولاي منير، حفظه الله، لكنّنا قد نكتفي بأن نذكر لمن لا يعلم أنّه: حصل في المغرب على الدكتوراه في العلوم الشرعيّة من دار الحديث الحسنيّة للدراسات الإسلاميّة العليا؛ وفي فرنسا حصل على دكتوراه في علم الأديان وأنظمة الفكر؛ وعلى ماستر في علم التسيير الاستراتيجيّ والذكاء الاقتصاديّ؛ ودبلوم للدراسات المعمّقة في علوم الإعلام والتواصل؛ وإجازة في العلوم الاقتصادية، والعلاقات الاقتصادية العالميّة؛ وإجازة في الآداب والحضارة العربيّة الإسلاميّة؛ وقد تقلّد منصب تدريس الاقتصاد الإسلامي؛ ناهيك عن عضويّته الاستشاريّة في عديد من المؤسّسات الماليّة وغيرها. ولئن عمّ إشعاع الطريقة القارّات الخمس، منذ عهد شيخنا سيدي حمزة قدّس الله سرّه، الذي أضحى يقول عن الطريقة بأنها "كونية"؛ فإنّ ذلك الإشعاع لم يكن ليتحقّق – في جزئه الأكبر – إلاّ بفضل "الملتقى العالمي للتصوف" الذي يسهر على تنظيمه وإدارته الدكتور مولاي منير سنويّاً، تحت الرعاية السامية لأمير المؤمنين جلالة الملك محمّد السادس حفظه الله؛ وقد بلغ الملتقى هذه السنة دورته العشرين.
وأمّا ما يتعلّق بالخاصّيّة الخُلُقيّة لشيخنا الحبيب مولاي منير، فإننّا لنعجز عن أن نحصي ما يظهر منها في عفويّة وتلقائيّة، منذ حداثة سنّه، فمن منّا لا يشهد لتواضع شيخنا للصغير فضلاً عن الكبير؛ ولا لحيائه البالغ وصبره وحلمه الجميل، ومَن منّا لا يعاين كرمَه الفائض – إن لم ينله شيء من فيضه؛ ومَن منّا لا ينفعل بحماسه وتحميسه لسامعيه بالحرص على خدمة الصالح العام وحبّ الوطن والوفاء لملكه؛ فشمائل شيخنا أكثر من تُحصى، ولكنّ أعماله الجليلة شاهدة عليها، وآثار صدقه ظاهرة في حبّ الخير لكلّ الناس، وفي حرصه الحثيث على نشر قيم الإنسانيّة ومكارم التسامح والوسطية والاعتدال، ونبذ العنف والكراهية والإقصاء.
فنرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفّق شيخنا المحبوب مولاي منير، ويُعينه على حمل هذه الأمانة العظيمة، ويرزقه وافر الصحة والعافية، وأن يجعل مَدده شفاء للصدور وبلسماً للجراح، ويزيده أنواراً وأسراراً لغذاء الأرواح؛ وأن يحفظ الطريقة القادريّة البودشيشيّة في ظلّ رعاية أمير المؤمنين أدام الله عزّه وتأييده، وخلّد في الصالحات آثاره وأفضاله، وأن يحفظه في وليّ العهد المحبوب مولاي الحسن، وصنوه المولى رشيد، وكافّة الأسرة الملكيّة الشريفة. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه.
د. محمّد المصطفى عزّام

الأمير مولاي رشيد يترأس حفل عشاء بمناسبة الافتتاح الرسمي للدورة الثانية والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش
ترامب يعتزم وقف الهجرة بشكل دائم من كل دول العالم الثالث
الرئيس الأمريكي يدعو للتعامل مع مجال فنزويلا الجوي على أنه "مغلق بالكامل"
تطوان: توقيف أحد الموالين لتنظيم داعش كان في طور تنفيذ مخطط إرهابي وشيك وبالغ الخطورة
أوكي..