الممرات البحرية في مهبّ النار: من يحمي التجارة العالمية؟
الأنوال نيوز :سيدي محمد العايدي الإدريسي (محلل سياسي، خبير في السياسات الاستراتيجية)
لم تعد الممرات البحرية مجرد خطوط عبور على خرائط التجارة الدولية، وإنما غدت نقاط اختبار حقيقية لقدرة النظام الدولي على حماية الاقتصاد العالمي من الانزلاق السياسي والاضطراب الاستراتيجي. فمن باب المندب إلى قناة السويس وصولًا إلى رأس الرجاء الصالح، لم يعد الخطر محصورًا في حادث أمني عابر أو تهديد موضعي محدود، وإنما أصبح يمسّ زمن العبور، وكلفة الشحن، واستقرار الأسواق، بل وحتى قدرة الدول على امتصاص الصدمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة.
إن ما يجري اليوم في البحر الأحمر لا ينبغي النظر إليه بوصفه أزمة أمن ملاحي فقط، وإنما بوصفه منعطفًا استراتيجيًا يعيد تشكيل حسابات التجارة العالمية. فعندما يختنق باب المندب، لا تتعطل حركة السفن فحسب، بل يُعاد تسعير التجارة ذاتها: ترتفع كلفة الوقود، وتتضخم أقساط التأمين، وتضطرب سلاسل الإمداد، وتنتقل الأعباء في نهاية المطاف إلى الشركات والدول والمستهلكين على حد سواء. ومن هنا، فإن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بخطر عسكري أو أمني، بل بخلل متنامٍ في توازنات الاقتصاد العالمي.
وفي قلب هذه المعادلة تبرز قناة السويس، أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية. فهي لم تتوقف كليًا، لكنها تأثرت بوضوح تحت ضغط التهديدات وتحويل المسارات البحرية نحو رأس الرجاء الصالح، بما انعكس على عدد السفن العابرة ومداخيلها، ووسّع في الآن نفسه كلفة النقل والعبور على امتداد سلاسل التجارة الدولية.
وفي المقابل، يبقى مضيق هرمز مصدر تهديد من طبيعة أخرى. فإذا كان باب المندب يمسّ بشكل أساسي انسياب التجارة بين آسيا وأوروبا، فإن هرمز يضع أمن الطاقة العالمي تحت الاختبار. الأول يهدد الحاويات وسلاسل التوريد، والثاني يهدد النفط والغاز وتوازن الأسواق الطاقية. وإذا ما اجتمع الضغط على هذين الممرين في وقت واحد، فإن العالم لن يكون أمام أزمة شحن فقط، بل أمام صدمة مركبة تمسّ النقل والطاقة والأسعار والاستقرار الجيوسياسي في آن واحد.
غير أن ما يبعث على القلق أكثر هو اتساع الفجوة بين وجود القانون الدولي وبين القدرة الفعلية على فرضه. فالمجتمع الدولي قد يُدين الهجمات على السفن التجارية، وقد يرفع شعارات حماية حرية الملاحة، لكن الإدانة وحدها لا تكفي عندما تصبح الممرات البحرية رهينة ميزان القوة والردع الميداني. فالمشكلة لم تعد في غياب القواعد القانونية، بل في تراجع فعالية تنفيذها، وفي تضاؤل الإرادة السياسية الجماعية الكفيلة بحماية المصالح المشتركة للعالم.
ومن هذا المنظور، لا يعود السؤال الحقيقي: هل يوجد قانون بحري دولي؟ بل: هل ما يزال هذا القانون قادرًا على حماية الممرات الحيوية حين تتقدم الجماعات المسلحة الخارجة عن الشرعية الدولية، وتتراجع هيبة الردع، وتتحول السفن التجارية إلى أهداف مفتوحة؟ إن التحدي لم يعد في وجود القاعدة القانونية، بل في قدرتها على الصمود أمام الوقائع، وفي استعداد المجتمع الدولي لتحويل الشرعية إلى قوة حماية فعلية.
ولا تقف تداعيات هذا الاضطراب عند حدود الملاحة والأسواق الدولية، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد والقطاعات الإنتاجية، حيث يؤدي ارتفاع كلفة المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج إلى الضغط على الفلاحة والصناعة معًا، ويرفع أعباء الإنتاج، ويزيد احتمالات الغلاء والندرة في عدد من المواد الأساسية.
إن العالم لا يحتاج اليوم إلى مزيد من استعراض القوة بقدر ما يحتاج إلى صوت العقل، وإلى حكمة سياسية قادرة على منع انزلاق واسع في واحد من أكثر الممرات حساسية في الجغرافيا الاستراتيجية للعالم. فالأزمة لم تعد مجرد توتر في ممر بحري، بل أصبحت اختبارًا لقدرة النظام الدولي على صون السلم الاقتصادي العالمي قبل أن يتحول الاختناق الملاحي إلى اختلال سياسي واقتصادي أوسع.
أين حكماء العالم من حماية هذا الممر الحيوي من انزلاق سياسي واسع، لا يهدد أمن الملاحة وحده، بل قد يزعزع استقرار الأنظمة، ويزيد هشاشة الأسواق، ويُضعف القوة الشرائية للشعوب، ويوسّع الفجوة في نمو اقتصاديات العالم، ويدفع المناطق الأكثر هشاشة إلى الندرة، بل إلى المجاعة، لا قدّر الله؟

محمد محسن الصماعي : هل يريد الحزب الاشتراكي الموحد صناعة جيل من المريدين؟
هبوط اضطراري لطائرة خفيفة بضواحي منطقة بوقنادل بضواحي مدينة سلا
بعد توثيق فيديو الابتزاز..توقيف متورط في ابتزاز سائح بريطاني وزوجته بمراكش
تفكيك خلية إرهابية موالية لتنظيم "داعش" الإرهابي تنشط بين المغرب وإسبانيا
أوكي..