حضر الجميع… وغابت السياسة
الأنوال نيوز بقلم : سيدي محمد العايدي الإدريسي (محلل سياسي، خبير في السياسات الاستراتيجية)
في كل استحقاق انتخابي، يتكرر المشهد نفسه تقريبًا: حركة دؤوبة، تحالفات ظرفية، حسابات مسبقة، سباق محموم نحو المواقع، وضجيج لا يكاد يهدأ. كل شيء يوحي بأننا أمام لحظة سياسية كبرى، لكن الحقيقة المؤلمة أن السياسة، في معناها العميق، تكاد تكون الغائب الأكبر.
حضر الجميع إلى الموعد الانتخابي: المرشحون، الوسطاء، الحسابات، الطموحات، والشعارات. لكن السياسة نفسها غابت، أو الثقافة السياسية كانت سببًا في تغييبها.
لم تعد الانتخابات، في كثير من الأحيان، ساحةً للتنافس بين المشاريع، ولا مناسبةً لتشريح أوضاع المدينة أو القرية، أو مساءلة الاختيارات العمومية، ولا فرصةً لإقناع المواطن ببدائل جدية وقابلة للتنفيذ. ولا سيما أن اللغة السياسية الدولية تحوّلت إلى فضاء رقمي وخوارزميات وسرعة قراءة الصراعات الجيوسياسية لتحديد تموقع تلك الدول، وطبعًا الحملة الانتخابية تُبرز بشكل واضح مدى قدرة الكفاءات التي تقدمها الأحزاب بقوة الاقتراحات البديلة.
في المقابل، تحوّلت الانتخابات إلى معركة مواقع، وإلى سباق على عدد المقاعد، وإلى اختبار للقوة الانتخابية أكثر مما هي اختبار للقدرة على التفكير والتدبير والإبداع في الحلول.
الحكمة في السياسة ليست لهاثًا وراء الكرسي، بل هي ارتقاء في الفكر، واتساع في الرؤية، ووعي بالمجال والإنسان والتحولات الاجتماعية.
والأخطر من ذلك أن الأنانية في السعي إلى المراكز، والتهافت على المقاعد، لا تكشف فقط خللًا في السلوك الانتخابي، بل تفضح أيضًا ضيقًا في الأفق السياسي. لأن الحكمة في السياسة ليست لهاثًا وراء الكرسي، بل هي ارتقاء في الفكر، واتساع في الرؤية، ووعي بالمجال والإنسان والتحولات الاجتماعية. إنها سؤال عميق يسبق كل تنافس انتخابي: من نحن؟ ماذا نريد؟ وأي مدينة أو قرية مغربية نطمح إلى بنائها؟ مجال بأي هوية، وبأي روح، وبأي مقاربات، وبأي بدائل، وبأي وسائل تمويل؟ ثم كيف نجعل من المقاولات المحلية، ومفكري المجال، وكفاءاته الحية، شركاء حقيقيين في صياغة مستقبله؟.
في الانتخابات الجماعية، يفترض أن يكون السؤال المركزي هو: أي مجال نريد؟ أي نموذج للتدبير المحلي نبحث عنه؟ كيف نعالج اختلالات النقل، والنظافة، والتعمير، والإنارة، والخدمات الأساسية، والعدالة المجالية؟ وكيف نحوّل الجماعة إلى فضاء فعلي للإبداع التنموي، لا مجرد مؤسسة لتصريف الأعمال؟ وفي الانتخابات التشريعية، يفترض أن يرتقي النقاش إلى مستوى السياسات العمومية الكبرى، وإلى الخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد مصير المواطنين، لا أن يظل حبيس الحسابات الضيقة وموازين الربح والخسارة الانتخابية.
لكن السؤال السياسي الحقيقي لا يقف عند حدود من يفوز ومن يخسر، بل يمتد إلى جوهر المكان نفسه: أي هوية تلائم تاريخ هذه المدينة أو تلك القرية، ومجالها، وموقعها الجغرافي، ومواردها، وخصوصيتها البشرية والثقافية؟ وهل يملك تاريخها من العمق والرمزية ما يسمح لها بأن تتطور وتتموقع من جديد في عالم الرقمنة والتكنولوجيا، بدل أن تتحول إلى مجرد ذاكرة جامدة؟ ثم أي نشاط نريده لبلدتنا: نشاطًا اقتصاديًا يخلق الثروة وفرص الشغل، أم نشاطًا اجتماعيًا يعزز التماسك والكرامة، أم نشاطًا علميًا ومعرفيًا يفتح أفق المستقبل، أم رؤية مركبة تجمع بين هذه الأبعاد جميعًا في مشروع واحد متماسك؟
السياسة ليست فقط تدبيرًا انتخابيًا للمقاعد، بل هي تفكير في هوية المجال ووظيفته ومصيره.
السياسة ليست فقط تدبيرًا انتخابيًا للمقاعد، بل هي أيضًا تفكير في هوية المجال ووظيفته ومصيره. إنها سؤال عن أي هوية تلائم تاريخ المدينة أو القرية ومجالها، وتموقعها الجغرافي، ومواردها، وخصوصيتها البشرية والثقافية. وهي أيضًا سؤال عما إذا كان هذا التاريخ نفسه يشفع لها لكي تتطور في عالم الرقمنة والتكنولوجيا، لا أن تبقى حبيسة التهميش أو النوستالجيا.
إن الحديث الجاد عن المدينة أو القرية لا يمكن أن يظل محصورًا في الوعود الفضفاضة والشعارات المستهلكة، بل يجب أن يمتد إلى الأسئلة العملية الكبرى: ما هي المقاربات الممكنة؟ ما هي البدائل الواقعية؟ ما هي مصادر التمويل؟ كيف يمكن تعبئة الموارد؟ كيف يمكن إشراك المقاولات المحلية في الإنتاج التنموي بدل بقائها على هامش القرار؟ وكيف يمكن الاستفادة من مفكري المجال، وخبرائه، وجامعييه، وفاعليه الثقافيين والاجتماعيين، حتى لا يظل تدبير الشأن المحلي مجرد شأن انتخابي ضيق؟
فالمدينة أو القرية لا يصنعها المنتخب وحده، بل تبنيها أيضًا نخبها الاقتصادية، وطاقاتها الفكرية، ومجتمعها المدني، ومقاولوها، وشبابها، ونساؤها، وكل من يملك تصورًا أو خبرة أو إرادة للمساهمة. ولهذا فإن السياسة الحقيقية ليست إقصاءً للكفاءات، بل تنظيمًا لمساهمتها، وليست احتكارًا للرأي، بل حسن إصغاء لما ينتجه المجتمع من أفكار وحلول.
المدينة أو القرية لا يصنعها المنتخب وحده، بل تبنيها نخبها الاقتصادية وطاقاتها الفكرية ومجتمعها المدني ومقاولوها وشبابها ونساؤها.
الأخطر من ذلك أن هذا الفراغ السياسي يتعمق في زمن لا يرحم التردد ولا السطحية. العالم يتحرك بسرعة مذهلة، والمدن والقرى تتغير، والإدارات تتطور، والتكنولوجيا تعيد صياغة الخدمات والاقتصاد والعلاقات بين الدولة والمجتمع. في هذا السياق، كان يفترض أن تصبح الانتخابات مختبرًا للأفكار الجديدة، ومنصة لاقتراح حلول مبتكرة، وفضاءً لتقديم نخب قادرة على فهم هذا التحول ومواكبته. لكننا نجد أنفسنا، في حالات كثيرة، أمام خطاب انتخابي مستهلك، ووعود عامة، وعجز واضح عن إنتاج بدائل تليق بعصر الرقمنة والذكاء والسرعة.
إن أزمة الانتخابات اليوم ليست فقط في العزوف، ولا فقط في ضعف الثقة، بل أيضًا في هذا الانفصال المتزايد بين الفعل الانتخابي والفعل السياسي. فالمواطن لا يفقد اهتمامه فقط لأنه غاضب، بل لأنه لا يرى مضمونًا حقيقيًا يستحق النقاش. لا يجد فرقًا جوهريًا بين متنافسين كثيرين، ولا يلمس مشاريع واضحة، ولا يسمع لغة تحترم عقله وتخاطب انتظاراته بجدية.
لقد حضر الجميع، نعم. حضر الطامحون، وحضر الساعون، وحضر المتنافسون على المواقع. لكن السياسة غابت، ومع غيابها تراجع النقاش، وضمرت الفكرة، وضاع المواطن بين كثرة الوجوه وندرة المشاريع.
فالانتخابات التي لا تطرح سؤال الهوية والغاية، ولا تحدد صورة المجال المنشود، ولا تقدم المقاربات والبدائل ووسائل التمويل، ولا تشرك المقاولات المحلية ومفكري المجال، ليست سوى موعد عابر في الزمن الانتخابي، لا أثر له في الزمن السياسي. وحين تغيب السياسة، لا يبقى من الانتخابات إلا صخبها.
فالمدينة أو القرية التي لا تطرح على نفسها أسئلة الهوية، والوظيفة، والموقع داخل تحولات العصر، تظل مجرد فضاء للتدبير اليومي، لا مشروعًا للتاريخ ولا أفقًا للمستقبل.

من أجل رؤية استراتيجية يسارية لحزب المستقبل ولمغرب الغد
سبع سنوات من التشميع… وقفة بالقنيطرة تُجدد المطالبة برفع الظلم عن بيت الدكتورعلي تيزنت
الدرك الملكي بأولاد عبو يوقف تاجر مخدرات مبحوث عنه ويحجز كميات من الكيف والشيرا
الرؤية الملكية في هندسة المجال الترابي: وزارة الداخلية بين التأطيروالتنزيل
أوكي..