الإعلام وقضايا الإعاقة: من التمثلات النمطية إلى المسؤولية الحقوقية
الأنوال نيوز
يُعدّ الإعلام، بمختلف وسائطه التقليدية والرقمية، فاعلًا بنيويًا في تشكيل الوعي الجماعي وإعادة إنتاج منظومة القيم داخل المجتمع، إذ لا يقتصر دوره على نقل الخبر، بل يمارس سلطة رمزية تُحدّد من يُرى وكيف يُرى، ومن يُسمع وكيف يُؤطر صوته داخل الفضاء العمومي.
وفي هذا الإطار، تشكل قضايا الأشخاص في وضعية إعاقة اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الإعلام بوظيفته الحقوقية، خاصة في ظل المرجعية الدستورية التي تكرّس مبدأ المساواة وعدم التمييز، وكذا الالتزامات الدولية، وعلى رأسها الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تُلزم الدول باعتماد مقاربة دامجة في مختلف السياسات، بما فيها السياسات الإعلامية.
غير أن الممارسة الفعلية تكشف عن مفارقة واضحة: حضور إعلامي محدود في عمقه، ومكثف في شكله، يُعيد إنتاج تمثلات تقليدية لا تنسجم مع التحولات القانونية والمؤسساتية، مما يطرح سؤال المسؤولية الإعلامية في إعادة إنتاج الإقصاء بدل تفكيكه.
المحور الأول: الإعلام كفاعل في إنتاج التمثلات وصناعة السياسات
لا يمكن اختزال الإعلام في كونه وسيطًا محايدًا، بل هو فاعل مركزي في إنتاج التمثلات الاجتماعية، التي تُسهم بدورها في توجيه السياسات العمومية وتحديد أولوياتها.
وفيما يتعلق بالإعاقة، يتخذ هذا الدور بعدًا مركبًا:
•فهو قادر على تفكيك الصور النمطية وإعادة الاعتبار للذات الإنسانية؛
•لكنه، في المقابل، قد يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الإقصاء الرمزي بشكل غير مباشر.
ويُسجَّل في السياق الوطني أن التناول الإعلامي لقضايا الإعاقة يظل رهينًا بمنطق المناسباتية، حيث يتم استحضار هذه القضايا في لحظات زمنية محددة، دون إدماجها ضمن النقاش العمومي المستمر.
هذا الطابع الظرفي لا يُفرغ القضية من بعدها البنيوي فحسب، بل يُسهم أيضًا في عزلها عن سياقها الحقيقي المرتبط بالسياسات العمومية، مما يُضعف آليات المساءلة ويُكرّس نوعًا من التطبيع مع الهشاشة.
⸻
المحور الثاني: من الصور النمطية إلى المقاربة الحقوقية
يكشف تحليل المضامين الإعلامية عن استمرار هيمنة تمثلات اختزالية تؤطر صورة الإعاقة، أبرزها:
•نموذج الشفقة: الذي يُحوّل الشخص في وضعية إعاقة إلى موضوع للإحسان، ويُفرغ قضيته من بعدها الحقوقي.
•نموذج الاستثناء البطولي: الذي يُضخم حالات فردية، فيُخفي غياب السياسات العمومية الداعمة.
ورغم التباين الظاهري بين هذين النموذجين، فإنهما يلتقيان في نتيجة واحدة: تغييب الشخص في وضعية إعاقة كفاعل حقوقي مستقل، له مطالب مشروعة قائمة على المساواة.
إن تجاوز هذه الاختزالات يقتضي اعتماد المقاربة الاجتماعية للإعاقة، التي تُحمّل المسؤولية للبنيات المجتمعية والمؤسساتية، بدل اختزال الإعاقة في بعدها الفردي.
ومن ثم، فإن التحول المطلوب إعلاميًا هو الانتقال:
من خطاب العاطفة → إلى خطاب الحقوق،
ومن سرد الحالات → إلى تحليل البنيات،
ومن التمثيل → إلى التمكين.
⸻
المحور الثالث: بين الحضور الإعلامي وغياب المساءلة
يُفترض في الإعلام أن يضطلع بوظيفة الرقابة والمساءلة، عبر تتبع السياسات العمومية وتقييم مدى احترامها للحقوق.
غير أن التغطية الإعلامية لقضايا الإعاقة تكشف عن اختلال واضح في هذا الدور، حيث يتم التركيز على الوقائع الفردية دون مساءلة الاختلالات البنيوية، من قبيل:
•ضعف تفعيل الترسانة القانونية؛
•غياب الولوجيات في الفضاءات والخدمات؛
•محدودية السياسات الدامجة.
هذا النمط من التناول يُنتج ما يمكن توصيفه بـ**“الحضور الشكلي والغياب الجوهري”**، حيث تبدو القضية حاضرة إعلاميًا، لكنها غائبة من حيث العمق التحليلي والمساءلة الفعلية.
وفي المقابل، فإن تطوير صحافة استقصائية متخصصة في قضايا الإعاقة من شأنه أن يُعيد توجيه النقاش نحو مساءلة المسؤوليات المؤسساتية، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
المحور الرابع: حرية التعبير والولوج الإعلامي—إشكالية التمكين
لا يُختزل الحق في حرية التعبير في الاعتراف القانوني به، بل يتوقف على مدى توفر شروط ممارسته الفعلية.
وبالنسبة للأشخاص في وضعية إعاقة، فإن الإشكال الجوهري يكمن في الفجوة بين النص القانوني والواقع العملي، حيث تعيق مجموعة من الحواجز هذا الحق، من بينها:
•ضعف الولوجيات داخل المؤسسات الإعلامية؛
•غياب الترتيبات التيسيرية المعقولة؛
•نقص التكوين والتأهيل المهني؛
•محدودية المعايير التقنية لضمان ولوج المحتوى الرقمي.
ورغم الإمكانات التي يتيحها الفضاء الرقمي، فإنه قد يُعيد إنتاج نفس أنماط الإقصاء، في غياب سياسات رقمية دامجة.
وعليه، فإن التمكين الحقيقي يقتضي الانتقال من منطق الإتاحة الشكلية إلى منطق المشاركة الفعلية في إنتاج الخطاب الإعلامي.
المحور الخامس: نحو إعلام مسؤول قائم على الإنصاف
إن بناء نموذج إعلامي بديل يمر عبر إحداث تحول بنيوي في المرجعيات والممارسات، يقوم على:
•تكريس المقاربة الحقوقية بدل الإحسانية؛
•اعتماد لغة إعلامية دقيقة تحترم الكرامة الإنسانية؛
•إدماج قضايا الإعاقة بشكل عرضاني في السياسات التحريرية؛
•تطوير صحافة استقصائية متخصصة؛
•إرساء معايير إلزامية للولوج الرقمي؛
•تمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من الولوج إلى مهن الإعلام؛
•بناء شراكات استراتيجية مع الفاعلين الحقوقيين.
إن هذا التحول ليس ترفًا مهنيًا، بل ضرورة ديمقراطية لضمان إعلام يعكس التعددية المجتمعية ويُسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية.
⸻
خاتمة:
إن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بتحسين صورة الأشخاص في وضعية إعاقة داخل الإعلام، بل بإعادة تعريف وظيفة الإعلام ذاتها في علاقتها بقضايا الحقوق والإنصاف.
فالإعلام، بقدرته على التأثير في الوعي وصناعة القرار، يتحمل مسؤولية مفصلية:
إما أن يظل أداة لإعادة إنتاج الإقصاء،
أو أن يتحول إلى رافعة لتفكيكه.
ومن ثم، فإن الحاجة اليوم ليست إلى إعلام يُجمل الواقع، بل إلى إعلام يُفككه نقديًا، ويُعيد بناؤه على أسس المساواة والكرامة.
إعلام يُنصف… لا إعلام يُدير الهامش.
⸻

إدانة اليوتيوبر رضا الطاوجني بغرامة 10 ملايين وتعويض 60 مليون سنتيم لفائدة الأمير مولاي هشام العلوي
بيان العصبة المغربية لحقوق الإنسان : حماية الصحفيين حول توسيع مجال الحريةوالتعبير والاستقرارالمهني
بيان تضامني مع فلاحي تعاونية الشهادة – مشرع بلقصيري
الوالي علي خليل يستقبل السفير الأمريكي بمطار الداخلة
أوكي..