عيد الأضحى… والدعوة إلى إقراره أسبوعًا وطنيًا للأسرة
الأنوال نيوز :بقلم محمد النحيلي باحث في القضايا المجتمعية فاعل مدني ونقابي وحقوقي
في عالم تتسارع فيه التحولات الاجتماعية وتزداد فيه ضغوط الحياة اليومية، لم تعد الأسرة مجرد إطار خاص للعلاقات العائلية، بل أصبحت قضية مجتمعية ووطنية تستدعي التفكير الجماعي في سبل حمايتها وتعزيز تماسكها. ومن هذا المنطلق، تبرز الدعوة إلى إقرار مناسبة عيد الأضحى المبارك أسبوعًا وطنيًا للأسرة باعتبارها فكرة تحمل أبعادًا إنسانية واجتماعية وثقافية عميقة، تنبع من الواقع المغربي ذاته ومن خصوصية علاقته بالأسرة والهوية والانتماء.
فعيد الأضحى لا يقتصر على كونه شعيرة دينية عابرة، بل يتحول إلى لحظة اجتماعية كبرى تستعيد فيها الأسرة مكانتها المركزية داخل المجتمع. ففي هذه المناسبة تتقوى صلة الرحم، وتجتمع الأجيال حول قيم التضامن والتآزر والمحبة، ويعود الإنسان إلى جذوره الأولى مهما ابتعدت به المسافات.
ولعل من أبلغ الصور التي تجسد هذا المعنى، ذلك المشهد الذي يتكرر كل سنة حين يعود الأبناء والأحفاد من العواصم الدولية والمدن الكبرى نحو الدواوير والمداشر النائية في أعالي الجبال. شباب يعيشون في باريس أو بروكسيل أو مونريال، أو يشتغلون في الدار البيضاء والرباط وطنجة، لكنهم ما إن يقترب العيد حتى يشعروا بنداء الأصل والذاكرة، فيشدون الرحال نحو البيت العتيق وخيمة العائلة، حيث الأجداد والحكايات القديمة ورائحة الأرض الأولى.
وهناك، في تلك القرى البسيطة التي قد تفتقر إلى كثير من مظاهر الحداثة، تستعيد الأسرة معناها الحقيقي. يلتقي الأحفاد بأقاربهم، ويتعرف الأطفال المزدادون خارج الوطن على جذورهم الثقافية والإنسانية، وكأن عيد الأضحى يتحول إلى مدرسة اجتماعية مفتوحة لإعادة بناء الانتماء والهوية الجماعية.
غير أن أكثر المشاهد تأثيرًا تبقى مرتبطة بالعامل البسيط والكادح الذي أرغمته ظروف العيش على مغادرة خيمته أو قريته الصغيرة بحثًا عن لقمة العيش. كم من عامل مياوم أو حارس أو عامل بناء يعيش شهورًا طويلة بعيدًا عن زوجته وأبنائه، بين الورشات وغرف الكراء الضيقة، لكنه يعود في عطلة عيد الأضحى محملًا بما استطاع جمعه من تعب الأيام، فقط ليصنع فرحة بسيطة داخل بيته المتواضع.
إنه يقطع المسافات الطويلة ليصل إلى خيمته في أعالي الجبل، حيث ينتظره الأطفال بلهفة، وتنتظر الأسرة لحظة اللقاء التي تختصر كل معاني التضحية والمحبة والانتماء. وهناك يدرك المرء أن قيمة العيد لا تكمن في المظاهر، بل في اجتماع الأسرة نفسها، وفي قدرة هذه المناسبة على إعادة ترميم الروابط الإنسانية التي أرهقتها قسوة الحياة.
ومن زاوية سوسيولوجية، تؤكد هذه الصور أن عيد الأضحى يؤدي وظيفة اجتماعية مركزية تتجاوز البعد الديني، إذ يعيد إنتاج التضامن الاجتماعي ويقوي الروابط الرمزية داخل المجتمع. لذلك فإن تحويله إلى أسبوع وطني للأسرة لا يُختزل في كونه اقتراحًا مناسباتيًا، بل يمثل رؤية مجتمعية تروم إعادة الاعتبار للأسرة باعتبارها الحاضنة الأولى للقيم، والمدرسة الأساسية للمواطنة، والضامن الحقيقي للاستقرار الاجتماعي.
إن المجتمعات لا تُقاس فقط بما تملكه من اقتصاد وبنيات حديثة، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على دفئها الإنساني وتماسكها الأسري. ومن هنا، فإن إقرار عيد الأضحى أسبوعًا وطنيًا للأسرة يمكن أن يشكل لحظة وطنية للتفكير الجماعي في أوضاع الأسرة المغربية، وإطلاق مبادرات ثقافية وتربوية وإعلامية تعيد الاعتبار لقيم الرحمة وصلة الرحم والتكافل بين الأجيال.
لأن الأسرة، في النهاية، ليست شأنًا خاصًا فحسب، بل قضية وطنية بامتياز… وعيد الأضحى يظل أكثر المناسبات قدرة على تذكير المغاربة بهذه الحقيقة العميقة.

المرحلة الثانية من الدورة 16 لمهرجان مقامات "تراث سلا من الصيانة الى الوظيفة التنموية"
بلاغ للرأي العام صادر عن المجلس الجماعي لمدينة تيفلت حول الانقطاع المتكررللماء الصالح الشرب بعدد من أحياء المدينة
بلاغ يضع النقاط على الحروف
أوكي..