الإعلام تحديات ورهان
الأنوال نيوز:محمد الإدريسي العلمي المشيشي أستاذ فخري بجامعة محمد الخامس
مقدمة
يتدرج الإعلام اليوم بين التطور والثورة من جهة أولى، وبين الشمولية والقطاعية من جهة ثانية، وفق منظور معقلن أحيانا وبدونه أحيانا، من جهة أخرى. وترتبط هذه الحيوية بتطور حقول معرفية متعددة موازية أو تابعة، قانون، سياسة، اقتصاد، اجتماع، علوم عامة وعلوم دقيقة، تكنلوجيا ...، تجعل دراسته أمرا صعبا، لذا لن تكون مقاربته هاته إلا مقتضبة
مركزة على مظاهره وآثاره كمرافعة هادفة له كقوة حضارية بإبراز المظاهر والانعكاسات.
المظاهر والآثار
تتبرر القراءة المشار إليها بالتطور الحيوي المتنوع، حيث شهد الإعلام تغيرا سلسا لا يكاد يجلب الانتباه قبل ظهور التقنيات الحديثة. ثم عرف تغيرا جذريا في طريقة إنتاج المعلومات ونشرها واستهلاكها متأثرا بعمق بالثورة التكنولوجية الراهنة وسمته بتحولات نوعية وتحديات قانونية وسياسية واجتماعية وتقنية، تهم حرية الرأي والتعبير، والخصوصية وحقوق الشخصية، ونظام الحقوق المادية والمالية والفكرية، والمسؤولية القانونية.
ومع غزارة المحتوى الرقمي، وانتشار الإعلاميات سهل نسخ ونشر وإعادة نشر المواد، بمعالجة أحيانا مخالفة للأصل، دون سند قانوني ولا مبرر مشروع. ودخل الإعلام مرارا كثيرة في تعارض مع قوانين متعددة، عامة وخاصة.
وحيث أن الإنترنت يتيح الوصول إلى المحتوى من أماكن متعددة تخضع لأنظمة قانونية مختلفة، وأن المنصات الإعلامية الرقمية وكذا المؤسسات والمقاولات تعتمد على جمع وتحليل بيانات مستعملي الشبكة العنكبوتية في تحديد محتوى الإعلام، تفاقم التعارض المذكور لدرجة الإضرار بالمجتمع بالمعنى الجنائي ومراجعة مفهوم حدود سيادة الدول.
وبات من المعقول أن تثير هذه الممارسات انتقادات قانونية واجتماعية ومادية وأخلاقية، وأن تثور مطالبتها باحترام التوافق مع القوانين الوطنية والدولية وبالانسجام مع تجارب وإصلاحات محترمة، وأن تسابق ما تتيحه الرقمنة من فورية صارت سلاحا ذا حدين، الحصول آنيا على المعلومات والغرق في الأخبار الكاذبة والمعلومات المُضللة. وهو ما جعل الأنظمة التشريعية في تحدي تحسين القانون دون المساس بالحريات.
في هذا الإطار، تلعب المنصات المهيمنة مثل فيسبوك وتويتر وغيرهما، دو ر الفاعل الرئيسي في نشر المحتويات السلبية، والطرف الأول المتعرض للانتقاد والمسئولية المترتبة عن الإعلام والنشر. وتحاول القوانين تحقيق توازن ولو نسبي بين صلاحيات هذه المنصات، بصفتها مقاولات تجارية ومؤسسات إعلامية تلعب دور الوساطة التقنية المختلفة عن العملية المجسدة للإعلام، وبين ناشرين وإعلاميين مسؤولين عن المحتوى من جهة أولى، وفاعلين اقتصاديين مهمين من جهة ثانية.
من جهة أخرى وفي ذات الوقت، تتيح الرقمنة المعنية فرصا كبيرة للشغل وتكاثر المقاولات الإعلامية، وإغناء النقاش العام، والوصول السريع إلى المعلومات من أي مكان في العالم. بالتالي صار يمكن الجمهور الواسع من متابعة الأحداث العالمية والمحلية، المهمة والتافهة، والمشاركة في مناقشتها وأحيانا اتخاذ القرار بشأنها فور حدوثها، مما يبلور الشفافية والديموقراطية ومشاركة المجتمع المدني في تنشيط الشأن العام.
كما تسهل الممارسة الرقمية على الصحفيين الوصول إلى مصادر مفتوحة أو مكشوفة، بل وحتى المغلقة والمرموزة، وتحليل بيانات بأعداد هائلة، وإنجاز تحقيقات صحفية معمقة تكشف الحقائق والفضائح بكل أنواعها. وتوفر للإعلام منصات للنقاش العام وتبادل الرأي، مساهمة في تعزيز الديمقراطية بتمكين الجمهور من التفاعل مع القضايا السياسية والاجتماعية بشكل مباشر وسريع.
وأتاح العصر الرقمي، أيضا، فرصا مهمة لاقتصاد جديد مدر للأرباح ولإمكانيات التشغيل من خلال الاشتراكات، والإعلانات الموجهة، والمعاملات التجارية والخدمات المختلفة مباشرة أوعن بعد، والشراكات بين ممارسيها. هكذا تمكّن الفاعلون من ابتكار محتوى مستقل بتداعياته المختلفة تسم واقعا في تحول مستمر يفرض تحديات قانونية متجددة كذلك، تتطلب بدورها استجابة فعالة ومتوازنة، بالتعاون مع واقع الأحداث والتشريع الأجنبي والدولي، وتستلزم وضع سياسات قائمة على التوازن بين الحرية والمسؤولية، تمكن الإعلام من الازدهار في العصر الرقمي مع الحفاظ على رسالته الأصلية واحترام الحقوق الأساسية للأفراد والمجتمعات وترشيد روافع الاقتصاد والتنمية الشاملة.
تبعا لذلك، أصدرت العديد من الدول قوانين جديدة لضبط المحتوى الرقمي ومراقبته وربط قواعده بالأخلاقيات وإخضاع سلبياته للجزاء المناسب، مع سن سبل وقايته وتنقيته من الشوائب والسلبيات ومكافحة الجرائم الإلكترونية المترتبة عنه. ولا بد من الاعتراف بأنها تنحرف أحيانا عن هذه الغاية فتخدم تقييد بعض الحريات العامة الفردية والجماعية.
دائما في اتجاه التطور السريع للتكنولوجيا الرقمية واعتماد الأفراد والمؤسسات على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في مختلف مجالات الحياة، أصبحت حماية البيانات والمعلومات الشخصية من أهم القضايا القانونية والإنسانية في القرن الواحد والعشرين، وتفرض وضع قواعد وتشريعات جديدة مناسبة للظروف الحالية لتنظيم جمع، ومعالجة، وتخزين البيانات الشخصية للأفراد، وضمان استخدامها بطريقة تحترم حقوق أصحابها وخصوصيتهم. ولا بد من الاعتراف هنا بضرورة استمرار خضوع أبرز القوانين العالمية والوطنية المتعلقة بها للمناقشة، بسبب استمرار وتجدد التحديات التي تواجهها، لا سيما بخصوص أهمية تحقيق التوازن بين حماية الخصوصية ومواكبة مفاهيم الشأن العام.
وأصبحت الأخبار الزائفة واحدة من أكبر المعضلات التي تواجه الدول والمجتمعات بهذا الصدد، وبفعل انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، وتأثيرها على الرأي العام، ُضعفت الثقة بالمؤسسات الإعلامية المحترمة وبالإعلام الذي تمارسه. وشاع اُستخدم العملية الإعلامية للتلاعب والخداع السياسي والاجتماعي. وأصبحت محاربة الأخبار الزائفة مسؤولية معقدة ومشتركة تقع بقوة على عاتق الحكومات والمؤسسات، والمنظمات الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي والأفراد.
من جهة أخرى، تعد حقوق النشر والتأليف في العصر الرقمي من القضايا المهمة، يمثل تحقيق التوازن فيها بين حماية حقوق المؤلفين، وحرية التأليف والنشر والوصول إلى المعلومات والحصول عليها إشكالا أساسيا، يجعل من الضروري متابعة التطورات القانونية والتكنولوجية وفهمها واستيعابها لضمان حقوق جميع الأطراف.
أحدث الإعلام الاجتماعي ثورة في طريقة تواصل الناس ومشاركة المعلومات فيما بينهم. ومع ذلك ورغم إيجابيات ذلك، فإن هذا الانتشار السريع للتكنولوجيا يثير تساؤلات قانونية عديدة تتعلق بمسؤولية منصات الإعلام الاجتماعي عن مراقبة المحتوى الذي يتم نشره، مما يعمق الجدل حول مجال حرية الرأي والتعبير وحدودها من جهة، وتكميم الأفواه، وتقليص مساحات الحرية بذريعة حفظ النظام العام والمصلحة العامة من جهة أخرى.
الانعكاسات
مظاهر التطور المذكور مكونات وعناصر من صلب الإعلام ومن روافده ومحيطه المجسدة للتطور الإجمالي لمختلف مجالات الحياة بالمغرب وبالعالم. وهي كذلك في ذات الآن نتيجة نضج المجتمعات بما فيها نضج المجتمع المدني وتنامي دوره ومكانه في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية. يغلب عليها انفجار العولمة وما واكبها من إعلاميات وتقنيات جديدة للاتصال وأقمار صناعية وتزايد المؤسسات الفاعلة والمؤثرة.
ولقد قلب هذا الأمر شكل العملية الإعلامية، فبعدما كانت تتم بين مرسل ومستقبل مختلفين، أصبحت تتم بين طرفين يكتسي كل منهما صفة المرسل والمستقبل. وبعدما كان الإعلام يمارس من جهة ناشرة على جمهور مستهدف بشكل عمودي، صار المستهدف أو الجمهور هو الممارس الذي يفرض ما يريد أن ينشر أي يفرض مضمون الإعلام، و بانتشار الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي أصبح كل مالك لهاتف ذكي مرسلا ومستقبلا للإعلام في اتجاه أفقي بين مالكي تلك الهواتف، وبشكل طوفاني، اضطرت بسببه الوسائل والمؤسسات التقليدية نفسها للرجوع إلى هذه الجهات كمكملة لمصادرها.
وتشمل المظاهر المعنية المفاهيم والأحداث والوقائع والأفعال والتصرفات والقيم واللغات والكتابات والرموز المجسدة للتواصل والمكونة لمضمون الإعلام أو محتوى رسالته. وتتكامل وتتداخل، بل وتندمج بجلاء مع ثقافات وأنشطة ومهن وأجهزة وآليات وأدوات ووسائل جديدة. كما توحي بأنها من طبيعة الأشياء أو من صلب التقدم والتحديث رغم أنها تشوس بوضوح على العلاقات الاجتماعية.
يذكر في هذا الإطار، طغيان فعلي للإعلاميات واكتساح جارف للإعلام الرقمي يهدد هدوء مجالات متعددة من الحياة الاجتماعية، فرض تدخل التشريع في محاولة جاهدة لتحقيق ضبط الأمور بحماية التوازن بين حقوق وحريات ومصالح كل المعنيين بالإعلام. فصدرت قوانين متعددة حول الصحافة التقليدية والصحافة الإليكترونية والإعلام السمعي البصري ونوظمة ممارستهما بالمجلس الوطني للصحافة والهيئة العليا للإعلام السمعي البصري.
وتعالت أصوات المطالبة بالتخليق وبالنوظمة الذاتية من طرف الفاعلين والمؤسسات والمقاولات بسائر قطاعات الإعلام انتهت بإحداث المجلس الوطني للصحافة. لكن يجب الوعي بأن النوظمة الذاتية تبقى دائما رهينة بإرادة الفاعلين ويسهل تحولها إلى مزاجية فوضوية بحيث يبقى التمسك بالنوظمة المؤسساتية أفضل للحفاظ على سلامة الإعلام. كما يجدر التنبيه إلى جهد المعنيين والدولة في مراجعة نظام الصحافيين والإعلاميين لم ينه الحيرة في تحديد وتمييز النظاميين منهم والعدد الهائل من المتدخلين الآخرين.
وتم الاهتمام أيضا بضبط المعالجة الآلية وتجريم انحراف استعمالها من لدن الأشخاص الذاتيين والاعتباريين الخواص والعموميين بما فيهم الفاعلين في الإعلام. وينتظر تدخلا آخر لمواجهة الإجرام السيبراني بمعالجة شاملة، وتلك هي المشكلة القصوى المستعصية على كل الدول لأنها تتطلب تمكنا علميا وتقنيا إضافيا من الحقول المعرفية المتعلقة بالإعلاميات والتقنيات الحديثة للاتصال وهو ما يزال منفلتا، من جهة، وإيجاد توازن موضوعي بين حماية حرية الرأي والتعبير، والحقوق الشخصية واحترام المصلحة العامة والمؤسسات الوطنية من جهة أخرى.
بناء على ما سبق، يتلخص الأمر في كمية هائلة من المعطيات المتشابكة والمعقدة يصعب إن لم نقل يستحيل معها على من عايش إعلام القرن العشرين أن يحتفظ بتوازنه وبوعيه وأن يستوعب ويفهم ما يحيط به، لأنه متأثر بما تعود عليه من منشورات يومية ودورية وإذاعات وتلفزيونات وهواتف قليلة لا تغرقه في الزخم السائد اليوم ولا تحرمه من مكنة التأمل واختيار موقف يقتنع بصوابه.
تطورت المفاهيم والمصطلحات واللغة وأسلوب الخطاب وتغيرت المعاني التقليدية للصحافة والمشتغلين بها بدخول مفاهيم الصحافي المهني والحر والعرضي والمؤثر والمتطفل والمدعي والمزيف والمشبوه والموجه بكسر الجيم وفتحها الخ. وتحول نعت المنتج الإعلامي من الصحيفة والدورية والمنشور، من طرف الأفراد أو المجموعات، إلى مؤسسات فردية أو جماعية ربحية أو غير ربحية إلى مقاولات مختلفة الأحجام والأغراض، منظمة أو غير منظمة.
كانت الجريدة تصدر من طرف شخص أو بضعة أشخاص لنشر الأخبار أو المقالات، وصارت منذ عهد الحماية وسيلة تعتمدها الأحزاب السياسية في مقاومتها للاستعمار، ثم أصبحت منذ الربع الأخير من القرن العشرين منتوجا لهيئات اعتبارية سياسية أو نقابية أو مدنية. وتعدد غرضها ليشمل أيضا أنشطة غير الإعلام كالدعاية والإشهار، والتجارة. وتبعا لهذا يطرح التساؤل عن إمكانية تطبيق قانون الإعلام عليها في جميع الحالات.
لاشك أن مدونة القانون التجاري لا تنص على الإعلام ضمن قائمة الأنشطة التجارية ولكن بعض الأنشطة التي تمارسها بعض المؤسسات الإعلامية تتسم بخصائص العمل التجاري، ويمكن إخضاعها للقانون التجاري إذا كانت هي النشاط الرئيسي للمقاولة، وتعتمد على خدمات أجراء وتهدف غاية تحقيق الربح بالمضاربة واستغلال المعدات والإمكانيات التقنية.
يذكر هذا الأمر بموضوع تطبيق القانون الجنائي على الجنح التي يرتكبها الإعلاميون والتي ميز بصددها القانون ما هو إعلامي محض وأخرجه من نطاق القانون الجنائي. ولكن هذا التمييز لا يضع حدا للنقاش بمناسبة حالات يصعب فيها التمييز وتتعارض فيها قرارات القضاء مع آراء الإعلاميين ولا يمكن الحسم فيها إلا باجتهاد قضائي قار أو بتدخل من المشرع.
ولحق التطور أيضا جانبا آخر من منظور النشاط والمهمة والوظيفة التبليغية والتواصلية، والرسالة السياسية والاجتماعية والحضارية الخ، فتحول إلى عملية تزييف واختلاق معلومات كاذبة، وتهريج وتهييج ولغط، وتمييع وتوجيه ودعاية للسلوك السلبي وللانحراف والعنف والعدوانية والتطرف. وامتد هذا التيار الجارف إلى توجيه بل والتحكم في القرارات العمومية والانتخابات السياسية حتى في أرقى الدول وأقواها وأقدرها على ضبط الأمور.
وصل الوضع اليوم إلى حالة جهنمية يستعمل فيها الإعلام كسلاح فتاك ضد الدول ونظمها السياسية والاقتصادية والثقافية. وتوج ذلك تطور الإعلاميات بالذكاء الاصطناعي، الغول الأكثر شراسة وخطورة، لقدرته الفائقة على اختراع إعلام سلبي ومعالجته ونشره بالرغم عن كل الحواجز والاحتياطات الممكنة للحد من ضرره لعجز الخبراء والمختصين عن ذلك في الوقت المناسب. غير أنه لحسن الحظ، يجب أ لا يغيب عن الذهن أن الإنسان يوجد دائما وراء الذكاء الاصطناعي وما قد يحدثه من ضرر بحيث يتعين البحث عنه دائما والحرص على تحميله المسئولية والعقاب لأن الذكاء الاصطناعي يبقى في جميع الأحوال مجرد آلات وأدوات يخترعها الإنسان ويستعملها إما لصالحه أو للإضرار بالإنسان، فيتعين أن يتحمل مخاطرها طبقا للقاعدة التقليدية المقررة في القانون والأخلاق.
وبفعل تضخم هذه الظواهر حدث حصار للإعلام الشريف وأصبح غريبا في جو اللغط والصخب والعبث بالقيم والأخلاق بصفة عامة. وصار من الصعب التمييز بينه وبين غيره من طرف المستهدفين بل وحتى من قبل المختصين أنفسهم. وتبعا لذلك تآكلت الثقة في الإعلام وصعب تحديد الرأي العام، وبرز خطر الفوضى الاجتماعية وعبثية طبائع وسلوكيات الأفراد.
وتعقد القيام بالعملية الإعلامية بمعناها المهني الدقيق، واحترام شروطها وتقنياتها بفعل هاجس السرعة واللحاق واللهث للاستفادة من السبق إلى نشر الجديد. فرغم مجهودات المعنيين وأصحاب القرار واحتياطاتهم، فإن مواقع التواصل تنشر ما تريده قبل أن يغادر أصحاب القرار مكاتبهم بل وكراسيهم. وأدى تكاثر المتدخلين وزخم التصرفات وأنواعها إلى تعقيد جمع المعلومات الصحيحة والإيجابية ومعالجتها علميا ومهنيا وتغيبت الشجاعة بل الجرأة على تبليغها ونشرها لسرعة الهجوم عليها بالنقد الفوري الآني الهدام.
ومن الطبيعي أن تمتد هذه السلبيات إلى ميادين المفاهيم القانونية حيث أصبحت تستعمل بخلط وعشوائية وتعسف وغرابة لا مزيد عليها إلا ما تتفتق عنه عبقرية الرعونة والأنانية في تجاهل واحتقار للجدية والمصلحة العامة.
كما أن مفاهيم ومصطلحات قانون الإعلام والنشر والوساطة الإليكترونية والإشهار الشفاف والمقنع، والإخبار والتشهير والقذف والسب والإهانة صارت تجاور وتتداخل وتكتمل بجرائم أخرى، اكتست تطبيقات جديدة لإهانة موظف، والولوج غير القانوني إلى نظم وآليات المعالجة والحواسيب وبنوك ومراكز المعلومات والمعطيات الشخصية والعامة، ولا بد من الاعتراف هنا بأن ما يكتشف منها مجرد الجزء الخارجي لجبل الثلج. فالهجمات المعنية عديدة ومتكررة على الأفراد والمقاولات والمؤسسات ولكنها لا تصل إلى العموم لأن ضحاياها لا ينشرونها مخافة الفضيحة أو تضخم الضرر.
وأصبح القضاة والمتقاضون كذلك يجدون تعقيدات وصعوبات كبيرة في تحديد الجرائم والمجرمين، والتقيد الدقيق بمبدأ الشرعية القانونية، واحترام الحقوق والمصالح المتواجدة في المحاكمات وإلحاق المسئوليات بشكل سليم، في جو يعج بمن يعتقد أن فهمه للإعلام والقانون هو الفهم الصائب الواجب تطبيقه على غيره. معنى هذا تناقص إن لم نقل تدهور للأمن القانوني والقضائي وبالتالي زعزعة الثقة في الكثير من المجالات والمؤسسات والمبادرات، وذلك أخطر الأخطار على المجتمع.
ولحق التطور والتغيير جوانب شكلية من القضاء والمحاكمات همت بالخصوص سرية التحقيق والتقاضي عن بعد وحدود البحث الصحفي وتمييزه عن البحث القضائي، وإمكانية تواصل القضاء مع الإعلام واستقلال القضاء عن تأثير الإعلام وتدخله وتحديد مجال استقلال الإعلام والمناقشة الإعلامية والمتابعة والمحاكمة.
كما عرف مفهوم الاختصاص القضائي تغيرا ملموسا بفعل انتشار الجريمة العابرة للدول والقارات، تبعا لاكتساح الإعلام لدول متعددة في وقت واحد، بحيث لم يعد سهلا معرفة مرتكبها ومكان ارتكابها ولا مكان مرتكبها، ولا التقيد بحدود سيادة الدول واختصاصها الترابي القضائي والأمني في مجالات البحث والتحقيق والمحاكمة والمعاقبة وتسليم الجناة، أو استعمالهم في أغراض مختلفة في العلاقات بين الدول، السلمية والسليمة أو العدائية والمغرضة.
تثير هذه الوضعية بقوة مسألة المراجعة والتحكم أو على الأقل التأثير على تصحيح ما حرفه التطور. ويتضح أن منحى الإصلاح يشكل تحديا قويا يرتكز أساسا على الجوانب القانونية سواء منها ما يتعلق بالإعلام في حد ذاته، مفهوما وممارسة وتنظيما، أو بالقوانين ذات العلاقة. ولن تفيد المراجعة القانونية والتشريعية إلا إذا تمت بالدمج مع المقاربة التخليقية والتفعيلية العملية بتحسين التكوين المعمق في المواطنية والتأهيل الشامل والمقنع للتمسك بالقيم العليا والمصلحة العامة.
من زاوية المنظور الاقتصادي يؤخذ بالاعتبار اعتماد النظام على الليبرالية وتنوع الفاعلين، والتركيز على أكثرهم قربا من مخاطر الانزلاق والانحراف بالإعلام إلى ممارسات أجنبية عنه، مما يتطلب عناية خاصة وحذرة في التنظيم. بالنسبة للممارسة الجماعية يبقى من الضروري احترام الربحية أو النفعية إلى جانب الأهداف غير الربح بخصوص الدعم. يجب الوعي بأن هذا الدعم يرمي إلى تحقيق إعلام يخدم المصلحة العامة ويتعين ألا يحقق ثراء غير مشروع وألا يمس باستقلال ومصداقية الإعلام لذا يجب تحصينه بالاحتياطات المناسبة لتجنب سلبياته من لدن الدولة ومن طرف الوحدات الإعلامية.
ختاما، لا شك أن المراجعة المرجوة مهمة ثقيلة وخطيرة تتطلب مجهودات وشجاعة كبيرة من الدولة في تشارك ملموس مع الفاعلين الممارسين والهيئات المهتمة بتجرد كامل عن المصالح الفئوية الضيقة. ومن الأكيد أن من أنجزوا التعديلات التشريعية الأخيرة رغم ما واجهوه من عراقيل وصعوبات قادرين على الاستمرار في تحسين مسار الإعلام بالبلاد لتوافق ثقافتهم العامة والمهنية مع عقلية الأجيال الحالية.
محمد الإدريسي العلمي المشيشي
أستاذ فخري بجامعة محمد الخامس

رئيس مجلس النواب يحيل قانون مهنة المحاماة إلى المحكمة الدستورية بعد مصادقة البرلمان
جدل واسع واستياء في الأوساط المهنية بعد صدور بلاغ رابطة المحامين الإستقلاليين
السجن أهون من التخلي عن الكرامة… محامٍ بهيئة القنيطرة يرد بقوة على وهبي
مجلس المستشارين يصادق لمرة أخيرة على قانون مهنة المحاماة رغم اعتصام النقباء أمام البرلمان المغربي
أوكي..