"لنأخذ العبرة… في الاستقرار"…
الأنوال نيوز :سيدي محمد العايدي الإدريسي
محلل سياسي وخبير في السياسات الاستراتيجية
لم تعد الاحتجاجات الاجتماعية حكراً على الدول التي تعاني الفقر والهشاشة، ولم يعد الاستقرار امتيازاً مضموناً حتى لأكثر المجتمعات رفاهية. فالأحداث التي شهدتها مدينة زيورخ السويسرية، وما رافقها من مواجهات بين محتجين والشرطة وأعمال تخريب، تذكرنا بأن كل شيء نسبي في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وأن المجتمعات، مهما بلغت درجة تقدمها، تظل معرضة لهزات قد تتسع حين تتراكم أسباب الإحباط وتتقلص آفاق الأمل.
والأكثرعرضة لهذه التحولات هم الشباب، الذين يجدون أنفسهم أمام سوق شغل متقلبة، وتكاليف معيشة مرتفعة، وصعوبة الولوج إلى السكن، وتراجع الشعوربالأمان تجاه المستقبل. وهي ظواهر لم تعد مقتصرة على البلدان النامية، بل أصبحت حاضرة حتى في المجتمعات الأوروبية المتقدمة.
لكن العبرة بالنسبة إلينا في المغرب ليست في مقارنة أوضاعنا بأوضاع سويسرا، وإنما في استيعاب حقيقة أساسية: الاستقرارلا يُصان بالخطابات، بل بمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي قد تهدد تماسك المجتمع.
وفي هذا السياق، تستوقفني الرؤية الاستباقية لجلالة الملك محمد السادس، كما عبر عنها في خطابه بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، حين جعل من الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، والتنمية الترابية المندمجة، وإدماج الشباب في الدورة الاقتصادية، مداخل أساسية لبناء مغرب أكثر توازناً وإنصافاً.
إن الدعوة الملكية إلى نقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الجهات، لم تكن مجرد إصلاح إداري، بل تعبيراً عن وعي عميق بأن التنمية لا يمكن أن تظل حبيسة المركز، وأن الاستثمار المنتج ينبغي أن يجد طريقه إلى المناطق التي ظلت لسنوات خارج دينامية خلق الثروة.
كما أن دعوة القطاع الخاص إلى تحمل مسؤولياته في الاستثمار وخلق فرص الشغل، وإعطاء الشباب مكانتهم في السياسات العمومية، تطرح ضرورة مراجعة العلاقة بين التمويل والمخاطرة، حتى لا تبقى الأبناك والمؤسسات التمويلية متمركزة حول المشاريع المضمونة في الحواضر الكبرى، بينما تظل المقاولات الشابة والمبادرات الاستثمارية في الجبال والبوادي محرومة من فرص المواكبة والتمويل.
فكيف ننتظر من الشباب أن ينخرطوا في التنمية، إذا كانت مناطقهم لا توفر لهم الحد الأدنى من شروط الاستثمار والحياة الكريمة؟
ولعل ما أثار انتباهي خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 هو تدخل النائب البرلماني الشاب عن إقليم ميدلت، الذي وضع أمام لجنة المالية معاناة سكان المناطق الجبلية، متوقفاً عند كلفة التدفئة وارتفاع أسعار الحطب، والمضاربة التي تزيد من معاناة الأسر مع اقتراب فصل الشتاء.
إنها ليست قضية هامشية أو مطلباً موسمياً، بل قضية كرامة اجتماعية وأمن معيشي. فحين يصل ثمن قنطار الحطب إلى 200 درهم، قبل اشتداد البرد، وحين تصبح التدفئة عبئاً على أسر تعيش أصلاً محدودية الدخل، فإن الحديث عن القدرة الشرائية ينبغي ألا يقتصر على أسعار الخضر أو فواتير الكهرباء.
والأكثر إيلاماً أن المعاناة لا تتوقف عند البيوت، بل تمتد إلى المدارس والمؤسسات التي يقضي فيها أطفال الجبال ساعات طويلة في ظروف مناخية قاسية، دون أن تتوفر دائماً شروط التدفئة الملائمة.
وهنا تبرز مفارقة سياسية تستحق المساءلة. ففي الإقليم نفسه، تعاقبت شخصيات سياسية ووزراء ومسؤولون عن قطاعات مرتبطة بالماء والغابات، كما برزت أسماء عائلية وحزبية في المشهد السياسي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين انعكست هذه المكانة السياسية على ظروف عيش سكان الجبال؟ وأين كانت هذه الأصوات حين كانت معاناة الأسر تتراكم عاماً بعد آخر؟
ليس المقصود محاكمة الأشخاص أو اختزال العمل السياسي في الانتماءات الحزبية، وإنما مساءلة المسؤولية التمثيلية: ماذا قدم المنتخبون والقيادات السياسية للمجالات التي يمثلونها، بعيداً عن المواسم الانتخابية وتبادل المواقع؟
والأغرب أن ينصرف جزء من الخطاب الحزبي إلى التركيز على إعفاء أصحاب فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم، باعتباره إجراءً لتحسين القدرة الشرائية، بينما لا يجد بعض سكان الجبال ما يقيهم قسوة البرد، ولا تتوفر لهم في بعض المناطق شروط التدفئة حتى داخل المدارس.
لا أحد يعترض على دعم الأسر ذات الاستهلاك المحدود للكهرباء، فهو إجراء اجتماعي يستحق النقاش والتقييم، لكن هل تكفي هذه التدابير لتغطية الحاجيات الحقيقية للفئات الأكثر هشاشة؟ وهل يمكن اعتماد فاتورة الكهرباء وحدها معياراً لقياس الفقر، في مناطق تعتمد أساساً على الحطب ووسائل التدفئة التقليدية؟
ثم ماذا أعد مشروع قانون المالية لسنة 2027 لأهلنا في الجبال؟ وما نصيبهم من الاعتمادات المخصصة للتنمية الترابية المندمجة؟ وهل هناك برنامج واضح للتدفئة، وتأهيل المدارس والمراكز الصحية، ودعم وسائل النقل، وتوفير البنيات الأساسية، ومواجهة كلفة العيش المرتفعة في المناطق الجبلية؟
صحيح أن المشروع يتضمن تخصيص 25 مليار درهم للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، لكن التحدي الحقيقي ليس في الإعلان عن الغلاف المالي، بل في معرفة كيفية توزيعه، ومعايير استهدافه، ومدى وصول أثره إلى الدواوير والمناطق الأكثر عزلة. فالمواطن لا يقيس التنمية بحجم الاعتمادات المرصودة، وإنما بما يتغير فعلياً في حياته اليومية.
إن المغرب يتوفر على فرص وإمكانات مهمة، لكن العدالة المجالية تظل رهينة الانتقال من منطق البرامج المركزية إلى منطق التنمية المنبثقة من الحاجيات الحقيقية لكل منطقة. فالجبال ليست مجرد مجال جغرافي أو خزان للموارد الطبيعية، بل فضاء يعيش فيه مواطنون لهم الحق نفسه في التعليم والصحة والتدفئة والنقل وفرص الشغل.
إن الاستقرار ليس معطى أبدياً، ولا امتيازاً تمنحه الثروة وحدها. إنه ثمرة الثقة والإنصاف وفعالية المؤسسات، وقدرة الدولة على الوصول إلى المواطن حيثما كان، لا أن تنتظر وصول معاناته إلى أبواب المؤسسات.
فلنأخذ العبرة من زيورخ، ولنستوعب الرسالة قبل أن تتحول الاختلالات الصامتة إلى احتجاجات معلنة. فحماية الاستقرار تبدأ من الجبل والقرية والهامش، ومن مدرسة تحتاج إلى التدفئة، وأسرة تعجز عن مواجهة البرد، وشاب يبحث عن فرصة في أرضه بدل أن يضطر إلى مغادرتها.
فهل ستكون ميزانية 2027 بداية الإنصاف الحقيقي لأهلنا في الجبال، أم ستظل التنمية وعداً مؤجلاً كلما حل فصل الشتاء؟

الشيخ العلامة سيدي الحاج الحبيب التنالتي.. قامة علمية وروحية تحظى بالتقدير لدى الشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش
المنتخب النيجيري يتوج بطلاً لكأس العالم للسيدات لأقل من 17 سنة بالمغرب بعد فوزه على اليابان
انتهاء مهمة بعثة المينورسو..ترقب وتحسب وأيادي ملكية ممدودة للسلام ودعوات جزائرية للتصعيد ونهج سياسة الهروب إلى الأمام
كتب محمد الغفري أربع هزائم انتخابية في عشرة أيام: هل بدأت شبكة الحماية الدولية للكيان الصهيوني تتآكل؟
أوكي..